ابن قيم الجوزية

132

البدائع في علوم القرآن

والإلهية ، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه ، بكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم ، ولجنده بأنهم هم الغالبون . فمن ظن بأنه لا ينصر رسوله ، ولا يتم أمره ، ولا يؤيده ويؤيد حزبه ، ويعليهم ، ويظفرهم بأعدائه ويظهرهم عليهم ، وأنه لا ينصر دينه وكتابه ، وأنه يديل الشرك على التوحيد ، والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالا لا يقوم بعده أبدا ، فقد ظن باللّه ظن السوء ، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله ، وصفاته ونعوته ، فإن حمده وعزته ، وحكمته وإلهيته تأبى ذلك ، وتأبى أن يذل حزبه وجنده ، وأن تكون النصرة المستقرة ، والظفر الدائم لأعدائه المشركين به ، العادلين به ، فمن ظن به ذلك ، فما عرفه ، ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله ، وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره ، فما عرفه ، ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته ، وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة ، وغاية محمودة يستحق الحمد عليها ، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة ، وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فوتها ، وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب ، وإن كانت مكروهة له ، فما قدرها سدى ، ولا أنشأها عبثا ، ولا خلقها باطلا ، ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ ص : 27 ] ، وأكثر الناس يظنون باللّه غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم ، ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف اللّه ، وعرف أسماءه وصفاته ، وعرف موجب حمده وحكمته ، فمن قنط من رحمته ، وآيس من روحه ، فقد ظن به ظن السوء . ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ، ويسوي بينهم وبين أعدائه ، فقد ظن بهم ظن السوء . ومن ظن به أن يترك خلقه سدى ، معطلين عن الأمر والنهي ، ولا يرسل إليهم رسله ، ولا ينزل عليهم كتبه ، بل يتركهم هملا كالأنعام ، فقد ظن به ظن السوء . ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي المحسن فيها بإحسانه ، والمسئ بإساءته ، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه ، ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله ، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين ، فقد ظن به ظن السوء . ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصا لوجهه الكريم على امتثال أمره ، ويبطله عليه بلا سبب من العبد ، أو أنه يعاقبه بما لا صنع فيه ، ولا اختيار له ، ولا قدرة ، ولا